كلمة بيت الشعر في المغرب الخاصة بالمعرض الفني " ورد أكثر"

 

محمود درويش : الأثر الشعري

 

"طورني القارئ المغربي".

جُملةٌ كافية لوصْفِ طبِيعَة العلاقة الشّعْـريّة والإنْسانيّة التي ربَطت الشّاعِر محْمُود درويش بالمغَاربَة والمغرب. البلدُ الذي أحبّه وتطلّع دومًا إلى مُعانقَتِه والإصْغاء لنبْضِ جُرحِه وقلقِ قصِيدته، فيما درويش، هُو الآخر، كان لا يكُفّ عن التّصريحِ: " أشعر بامْتنانٍ خاصّ لكرم المغرب والمَغاربة، إذ دلّوني على رحَابة لُغتنا و آفاقه، وعلى سِعَة مكانِها و فَضائِها. ودلّونِي على امْتدادِ بِلادِي الصّغيرة بما هيَ أرْضٌ وشعبٌ ومَعْنى وقصيدة، في المكانة الإنسانيّة الرّحبة، فقد عمّقُوا إحْسَاسِي بالمسؤُولية الجمَالية والأخْلاقية إزاءَ علاقَة الشّعر بالواقِع والتّاريخ، واتّجاه مَكْـر الالتْباس الجمِيل بين الشّعر والنّثر، وعلّمُوني كيف أحْتضِن المسَافة كيْ أتأمّل أكْثر وأكتبَ أقلّ".

لم يكُنْ ذلك، قَيْد حياته، فحسْب. فها هُم ثلاثة فنّانين مغاربة، يُبادِلُون صاحِب "ورد أقل" ب " ورد أكثر". يَمُدّون له اليدَ بالمُصافَحة والتّحيّة بعْد الأركانة التي سبق له أنْ نالها، وسعِد بفوزهِ بها سنة 2008 أشْهرا قليلة قبل موْتِه المُفاجِئ...

ثلاثة فنّانين تشْكيليين:عزيز أزغاي، فؤاد شردودي، وعبد الله الهيطوط، اخْتاروا أن "يُطوّرُوا" محمُود درويش، و أنْ ينْظُروا إلى مُنجَزه الشّعري الباذِخ من زاويةٍ مُخْتلفة عن تِلك التي دَرجُوا على النّظر من خلالها للشّاعر ولشِعْره. فقد أثْمـرت قراءتُهم له، واحْتكاكُهم به رؤيةً فنيّةَ وجماليةَ بمقْدُورها أنْ تُغْنيَ شِعْرية درويش وتُضيءَ جوانبَ من مَساره الشّعْـري والإنساني. فعَلى مدى عشرة أيام، اسْتعاد الفنّانُـون الثلاثة، ضِمنَ إقامةٍ فنيّة، الأثر الشِّعـْري لدرويش. الشّاعرُ الذي شغـلَ النّاس ومَلأ الدنيا. الشّاعـرُ الذي لم يَسْتطِع شاعِرٌ آخر، لحَدّ اليوم وبعْد مُضِي عشْر سنوات على رحيلِه، أن يشْغـل مكانتَه الشّعريّة أو يُعوّضَ الغيابَ الذي صار جليّا أنه لا يليقُ به.

خلال الإقامَة الفنيّة، حرصتُ، قدْر المُتاح، على أنْ أكُون مُتابِعًا لسيْر الفكرة التي حلمْنا بها داخل بيت الشعر في المغرب. وقد عاينتُ كيف الفنّانين الثلاثة حرصُوا على اسْتِحْضار درويش ليس من خلال الواقع والوقائع، فهو نفسُه كان يمْقتُ ذلك، بل بالحفْـر في ثنايا وجُوده الشّعْري والحياتي وتقْطير هذا الوجُود عبْر مِصفاةٍ لا تتقدّم فيها القصِيدة ولا القضية، بل مُقتضيات الفن ومُتطلباته الخاصة، دون أنْ نشْعرَ بأيّ توتـّر بين اللوحات الفنيّة التي شكّـلت باقة " ورد أكثر" و بين نصّ الشاعر وقضيّته. فثمّة العديدُ من الوشائج التي يُمكن رصْدُها و الوقوف عليها... تبدُو اللوحاتُ مكتفية بنفسها، قادرةً على قـوْل ما تودُّ هي قولَه، لا ما تراكمَ في ذهْننا وذاكِرتنا عن درويش: القصيدة والقضيّة. 

في هذا المعرض، استطاع الفنانُون الثلاثة السّفـر بالنّصّ الشّعري الدرويشي بعيدًا عن المنْشأ الذي انْوجد فيه، أي الكتاب والديوان. وحملُـوه عبر وسائط فنيّة جديدة تقومُ على اللّـوحة، وتسْتعمِلُ التشويش كآليةٍ مُمكنة لإنطاقه وتقويله ما كان يُـضمره بين دفتيْ الديوان.

والواقع أنّه لم يكن مُتاحا لأصحاب "ورد أكثر" أن يقوموا بذلك لولا ملكة الإصغاء العميق لذبذبات هذا النصّ والتفاعل مع ظوَاهره و أسْراره. وهم الذين عـُرف عنهم اشْتغالهم بالشّعـر كتابة وأفقا للعمل الفنّي الصباغي. فكما أن قصيدة درويش اغتنت بخلفيات جمالية وفنية ورؤيوية متعدّدة، تتيح لنا لوحات هذا المعرض سفرا في جغرافيات فنيّة و بصرية لتوسّع لا الأفق الشعري فحسب، بل و المجال الفني و التشكيلي في لحظة تزاوج  

لقد نجح الفنانُون الثلاثة، فيما نجَحَ فيه الشّاعر نفسه، أيْ صوْنُ هويّةِ ورسَالةِ الشّعر والفنّ. وذلك في نظري أهمّ تكْريم لمحمود درويش: استعادةُ دوْر الشّاعِر وتقديرُ المسَافة التي يتَعيّنُ عليه أنْ يرْعاها لخلْق الدّهْشة، واسْتِعَادة الحُلم والأمل و بعث كل ما هو جميل و ممتع.

إنّنا في بيْت الشعر في المغرب، بمعيّة شريكِـنا مؤسسة الرعاية لصندوق الإيداع و التدبير، نشعُر بالكثير من الغِبطة ونحن نضَعُ، في الطريق، هذه الباقة من الورد، عنوانا للفرح و للحياة. وليس إشارة للموت. فقد قهر الشاعر محمود درويش الموت، وها هو بعد عقد من الزمن، يطلّ علينا من قصيدته ليُبلغنا السّلام ويجدّد قولته "لقد طورني قارئي هنا في المغرب، حين صدّقَني فقبل اقْتراحاتي الجمالية المُتواضعة بغضّ النظر عن الإفـراط في التأويل الرّمزي لصُورة الشّاعر".

سلامًا محمود درويش...

شُكرًا لمن وفـر لنا فرصة التحلّق حوله حيّا و ميتا...

سلامًا لصوتك الشّعري المنْذور للجُرح وللوجَع الإنساني البهيّ...

سلامًا لك و أنت ترقدُ هنالك تحت أركانة مغربك.