كلمة الشاعر مراد القادري، رئيس بيت الشعر في المغرب، في افتتاح ندوة " محمود درويش و آفاقها الجمالية "

كلمة الشاعر مراد القادري، رئيس بيت الشعر في المغرب في افتتاح ندوة

محمود درويش:  التجربة الشعرية وآفاقها الجمالية.

بكلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط

28 نونبر 2018

أيها الحضور الكريم:

اسمحوا لي في البداية أنْ أشكركم على استجابتكم لصوت الشعر، الشعر الذي نذر له محمود درويش جوارحه ووهبه قلبه كي نستحق العيش فوق هذه الأرض الجديرة بالمحبة و الحياة.

منذ عشر سنوات غادرنا محمود درويش، هل غادرنا فعلا محمود درويش؟ و هو الذي مافتئ على الحضور بيننا و على صوغ أثر للفراشات فوق سماواتنا ليبدد بخفتها وألوانها سحب الحرب و العنف والٌإقصاء التي ازداد سعيرها خلال العشرية الأخيرة و كأنها بذلك تنبه لغياب التوازن الذي كان يجسده محمود درويش وقصيدته التي آلت على نفسها ألا تنتهي إلا بسكون قلبه و جنوحه للصمت و الكف عن الخفقان.

عقد من الزمن، ومحمود درويش يملأ الدنيا و يشغل الناس ميتا، كما كان يفعل و هو على قيد الشعر،  فالشعراء الكبار لا يموتون، بل يظلون في حراسة المعنى و صون جوهر وجود الإنسان. عقد من الزمن و نحن نتهجّى خطوه الشعري و أثره الموشوم على أجسادنا و في ذاكرتنا التي حولت شاعر فلسطين إلى شاعرا للإنساني جمعاء في لحظات تطلعها للانتساب للأرض و للأم و للحلم.

تطمح هذه الندوة الدراسية التي يعقدها بيت الشعر في المغرب بشراكة مع كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط وشعبة اللغة العربية وآدابها إلى استعادة صوت الشعر الذي مثله محمود درويش بيننا حيا وميّتا وملامسته من موقع التفاعل الإيجابي بينه وبين الشعرية المغربية، التي تمثلت عمقه و كده واجتهاده من أجل قول الشعر وحده غير ممزوج بما يفسد مناخاته الفنية والجمالية  أو يلوثُ ماءه المنذورُ للجريان.

مُرور عِقد مِن الزمن على مَوت محمود درويش، يُلقي علينا، في بيت الشعر بالمغرب بمسؤوليات. وها نحن نُقبِل عليها بِفَرَح. ليس فقط لأن محمود درويش هو إحدى القمم الشعرية العربية والكونية، التي ما زالتْ تُغذي الوجدان والمُتخيل الإنسانيين، بل أيضا لأنه صديق عميق للشعرية المغربية ولِأرضنا المِعطاءة. مَنحَنا محمود درويش، في أكثر من مناسبة، نشيدَه الشعريَّ الكريم، وقَبِل مِنا، بِكَرمِه المَعهود أيضا، جائزة الأركانة. المَوتُ مَنَعه مِن أن يتسلَمها يَدا لِيد، لكنه لم ولن يَمنَعَنا مِن مُواصلة إفشاء المَحبَّة، والاحتفاءِ بنشيد الشاعر الكبير. محمود درويش هو جزءٌ حيُّ من وُجداننا وذائِقتنا الشعرية. الوفاءُ له هو، في آن، وفاءٌ لِقيمَتِه وقيَمِه الشعرية العالية، ولهذه المنطقة من ذاتنا العميقة.

بهذه الروح، نجتمعُ اليوم حول محمود درويش، تحت سقْف جامعة مدينة الرباط. المدينة التي كان الشاعر يمشي في شوارعها، ومن تحية إلى تحية وكأنه يمشي في قصيدة غير مرئية. نلتقي لنقرأ ذواتِنا قبل أن نقرأ درويش. ذلك هو الهدف من هذه الفعالية التي تنضوي تحت مسمى " محمود درويش في الرباط" وهي إن تنطلق هذا الصباح فإنما لتتواصل مساء نفس اليوم برواق الفنون لمؤسسة صندوق الإيداع و التدبير، حيث "ورد أكثر" سيكون في استقبال محبي الشعر المدهش و العميق، من خلال العرض الفني التشكيلي الذي وظبه لأعيننا و لوجداننا الفنانون عزيز أزغاي، فؤاد شردودي و عبد الله الهيطوط.

جدير بالذكر أنّ فعالية " محمود درويش في الرباط"، تتعزز بتخصيصنا لبيت الشعر في المغرب للعدد الجديد من مجلة " البيت" لشاعر الجدارية. والذي يصدر بدعم من وزارة الثقافة و الاتصال.

شكرا لكم ....